تميم وريم: منصة عربية تُعيد رسم مستقبل تعليم الأطفال الصم
ورقة علمية
وصول مفتوح |
متاح بتاريخ:27 يناير, 2026 |
آخر تعديل:27 يناير, 2026
الملخــص:
تميم وريم هي أول منصة تعليمية مبتكرة في العالم العربي صُممت خصيصًا للأطفال ذوي التحديات السمعية الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و12 سنة. تسعى المنصة إلى سد الفجوة الكبيرة في التعليم من خلال تقديم محتوى ثنائي اللغة يجمع بين اللغة العربية ولغة الإشارة، مما يتيح للأطفال فرصة التعلم بلغتهم الأم وبطريقة بصرية ممتعة. تعتمد المنصة على دمج التعليم بالترفيه والتكنولوجيا الحديثة، حيث تقدم مناهج تعليمية تفاعلية، محتوى كرتوني ثلاثي الأبعاد، قصصًا مترجمة بلغة الإشارة، وألعابًا تعليمية قائمة على التفاعل البصري والتحفيز.
لا يقتصر أثر المنصة على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل الأسر والمعلمين، حيث توفر لهم أدوات تعليمية وبصرية تعزز التواصل الفعّال وتدعم دمج الأطفال الصم في بيئة تعليمية شاملة. ومن خلال نظام إدارة تعلم(LMS) تطبيق موبايل وموقع إلكتروني متجاوب، يمكن الوصول إلى الموارد التعليمية بسهولة في أي وقت ومن أي مكان. يهدف المشروع إلى إحداث تغيير نوعي ومستدام في واقع تعليم الأطفال الصم، عبر بناء بيئة أكثر شمولًا تدعم حقهم في التعلم والنمو.
الكلمات المفتاحية: تعليم الصم؛ لغة الإشارة؛ التعلم الشامل؛ التكنولوجيا المساعدة؛ تميم وريم؛ الأطفال ذوي الإعاقة السمعية؛ الأطفال الصم؛ تعليم اللغة العربية.
مقدمة
الوضع في الوطن العربي
لكل طفل الحق في أن يتعلم بلغته، لكن ملايين الأطفال الصم ما زالوا يفتقدون هذا الحق الأساسي. ومع أن هؤلاء الأطفال يملكون نفس القدرات والطموحات كبقية أقرانهم، إلا أن الواقع التعليمي يضع أمامهم حواجز ضخمة ضعف التحصيل الدراسي وانخفاض فرص إكمال التعليم الثانوي، حيث تبقى النسبة ضئيلة للغاية مقارنةً بغيرهم [1], [2].
الوضع في الأردن
أما بالنسبة للأردن، يعيش ما يقارب 200 ألف شخص من ذوي الإعاقة السمعية ممن تزيد أعمارهم عن خمس سنوات، أي ما نسبته %3.1 من السكان [2] ورغم ذلك، ما زالت التحديات التعليمية التي تواجه هؤلاء الأطفال كبيرة، تبدأ من ضعف تأسيس اللغة العربية وقلة المناهج المخصصة لهم [3]، وصولًا إلى ارتفاع نسب الانسحاب من المدارس.
وسط هذا الواقع، وُلدت منصة “تميم وريم” لتكون أول منصة تعليمية عربية ثنائية اللغة (لغة إشارة ولغة عربية)، صُممت خصيصًا لتلبية احتياجات الأطفال الصم، وتمنحهم نافذة جديدة للتعلم والاندماج.
القصة وراء الابتكار
البداية مع مأمون عودة
القصة بدأت مع مأمون عودة، شاب أردني وُلد أصمّ في بيئة لم تكن مهيأة لتلبية احتياجاته التعليمية. لم يجد كتابًا بلغته، ولا محتوى مرئيًا يعكس واقعه، لكنه قرر أن يحوّل هذا التحدي إلى فرصة. بتعلم ذاتي استمر أربع سنوات، أتقن مأمون فن تصميم وتحريك الشخصيات الكرتونية ثلاثية الأبعاد باستخدام برنامج3D Blender وأدوات أخرى، ليخلق محتوى بصريًا يفهمه الأطفال الصم.
والمميز أن هذا المشروع يقوده رائد أصم عاش التجربة بكل تفاصيلها، ما يمنحه أصالة وقيمة استثنائية لا تتوفر في أي مبادرة أخرى. فمأمون لم يكن مجرد مطوّر أو مصمّم، بل كان صوتًا من داخل المجتمع، يعرف تمامًا ما يحتاجه الأطفال الصم ليشعروا بالانتماء والفهم.
دور هبة جمجوم والأسرة
إلى جانب مأمون، جاءت زوجته هبة جمجوم التي تعلمت لغة الإشارة حبًا ورغبة في التواصل معه، ثم حصلت على شهادة تدريب مدربين (TOT). ومع ولادة طفليهما “تميم وريم”، كان من الطبيعي أن يتعلما لغة الإشارة للتواصل مع والدهما. ومن هنا تحولت القصة العائلية إلى مشروع ريادي يحمل اسمي طفليهما “تميم وريم“، ليس فقط كرمز للعائلة، بل لأن أسمائهما مكوّنة من حروف شفوية يسهل على الأطفال الصم نطقها ورؤية مخارجها بوضوح، مما جعلها أكثر قربًا وبساطة لهم. هذا المشروع يمثل حلمًا بتغيير واقع ملايين الأطفال الصم.
فريق العمل وروح المشروع
يقود المشروع مأمون عودة وهبة جمجوم، بمشاركة أطفالهما تميم (٨ سنوات) وريم (٥ سنوات)، حيث ساهمت العائلة بشكل مباشر في تطوير المحتوى التعليمي. فمأمون، بصفته أصم، اعتمد على خبرته وتجربته الشخصية في تصميم وتحريك الشخصيات الكرتونية، بينما تولت هبة مسؤولية كتابة النصوص والإخراج والمونتاج. كما شارك الأطفال في تسجيل بعض الأصوات، مما منح المحتوى روحًا أصيلة قريبة من الأطفال المتعلمين أنفسهم. هذا التكامل بين التجربة الشخصية والعملية العائلية أسهم في تعزيز مصداقية المشروع وجعل المحتوى أكثر ملاءمة وواقعية للأطفال الصم.
المنهجية ومرحلة التجريب
اعتمد فريق “تميم وريم” منهجية تشاركية تقوم على إشراك الفئة المستهدفة منذ المراحل الأولى. ولتحقيق ذلك، أجرى الفريق دراسة ميدانية باستخدام المنهج الوصفي المسحي، اعتمدت على استبيانات وزيارات ميدانية إلى مدارس أردنية متخصصة. شملت العينة 37 معلماً،34 أماً، و6 مترجمي لغة إشارة، بهدف فهم التحديات التعليمية التي يواجهها الأطفال الصم وربطها بالمناهج والموارد التعليمية المتاحة.
وبناءً على نتائج هذه الدراسة، جرى تصميم برنامج تجريبي خاص بالمنصة، شارك فيه أكثر من 30 طفلًا أصم تتراوح أعمارهم بين 3 و12 سنة، إلى جانب مجموعة من الأهالي والمعلمين. وقد نُفذت ثماني جلسات ميدانية شملت أنشطة عملية باستخدام المنصة والتطبيق، تلتها جلسات نقاشية لجمع الملاحظات. ركز التقييم على سهولة الاستخدام، ملاءمة لغة الإشارة، ومستوى تفاعل الأطفال مع الأنشطة البصرية.
ساعدت هذه المنهجية الميدانية على ضمان أن يكون المنتج النهائي للمنصة ملائمًا بدقة للفئة المستهدفة، ويعكس احتياجاتها التعليمية الحقيقية، مما يعزز من جودته الأكاديمية وعمقه المجتمعي.
من مبادرة صغيرة إلى منصة متكاملة
بدأ المشروع كمبادرة عبر قناة يوتيوب في عام 2022، حيث قُدم محتوى كرتوني ثنائي اللغة (لغة إشارة ولغة عربية) مخصص للأطفال. خلال فترة قصيرة، جذبت القناة عشرات الآلاف من المشاهدات وآلاف المشتركين، مما يعكس تعطش المجتمع لمحتوى متخصص ومترجم بلغة الإشارة.
من هنا، تطورت الفكرة لتتحول إلى منصة تعليمية متكاملة تضم مجموعة واسعة من المكونات، منها مناهج تعليمية تفاعلية ثنائية اللغة مصممة خصيصًا للأطفال الصم، ومحتوى كرتوني ثلاثي الأبعاد عالي الجودة، بالإضافة إلى قصص أطفال مترجمة بلغة الإشارة تعزز الفهم والتواصل. كما توفر المنصة ألعابًا تعليمية قائمة على التفاعل البصري والتحفيز بالجوائز، إلى جانب نظام إدارة تعلم (LMS) لمتابعة تقدم الطلاب. وتمتاز أيضًا بوجود تطبيق موبايل وموقع إلكتروني متجاوب يسهّلان الوصول إلى المحتوى من أي مكان وفي أي وقت.
صور من تطبيق الموبايل
صور من تطبيق الموبايل
الجانب التقني
تم تطوير المنصة باستخدام أحدث التقنيات الرقمية لضمان سهولة الاستخدام واستقرار الأداء، مع تصميم واجهة بصرية مبسطة تناسب الأطفال الصم، وإجراء اختبارات متكررة على مختلف الأجهزة لضمان أن تكون المنصة آمنة، مستقرة، وسهلة الوصول للجميع.
التحديات في الطريق
لم تكن الرحلة سهلة، واجه الفريق خلال رحلته عدة تحديات محورية. فقد كان هناك غياب لنموذج عربي مشابه يمكن الاستناد إليه، إذ لم تتوفر منصات عربية تقدم محتوى تعليميًا مخصصًا للأطفال الصم. كما عانى الفريق من ضعف في الموارد والبيانات، حيث لم تتوفر مراجع تعليمية كافية وموثوقة يمكن الاعتماد عليها في بناء المناهج. يضاف إلى ذلك أن مأمون، بصفته أصم، اضطر إلى الاعتماد على التعلم الذاتي بالنظر والتجربة لتعلم الرسوم المتحركة، وهو تحدٍ كبير بحد ذاته. وأخيرًا، واجه الفريق غيابًا للتعاون الدولي، إذ لم يتلقَ استجابة من المنصات الأجنبية التي تم التواصل معها، مما دفعه للاعتماد كليًا على الجهد المحلي.
ورغم هذه التحديات، تحولت المنصة إلى نموذج يُحتذى به في الابتكار والإصرار.
مرحلة التجريب مع المستخدمين
منذ المراحل الأولى، حرص الفريق على إشراك الفئة المستهدفة في عملية الاختبار والتجريب. فقد أظهر الأطفال الصم تفاعلًا واضحًا مع المنصة، حيث ساعدتهم على تحسين حصيلتهم اللغوية والقدرة على الربط بين العربية ولغة الإشارة. وأكد الأهالي أن المنصة فتحت أمامهم نافذة جديدة للتواصل مع أطفالهم بطرق أكثر فعالية، بينما اعتبرها المعلمون أداة مبتكرة تدعم العملية التعليمية وتضيف قيمة إلى الصفوف. كما ساهم عشرات المتطوعين والمترجمين والخبراء في تقديم الملاحظات والتعليقات، الأمر الذي جعل المنصة أكثر شمولية ودقة.
الأثر
الأثر الذي أحدثته منصة “تميم وريم” كان متعدد الأبعاد. فقد وفرت للأطفال الصم بيئة تعليمية آمنة تتحدث بلغتهم، وأسهمت في تعزيز ثقتهم بأنفسهم وزيادة قدرتهم على التعلم الذاتي. كما أتاحت للأطفال الناطقين فرصة تعلم لغة الإشارة، مما ساعد في تعزيز الدمج الاجتماعي بينهم وبين أقرانهم الصم. وعلى صعيد الأسرة، زودت المنصة الأهالي بأدوات بصرية قوية للتواصل مع أبنائهم بفاعلية أكبر، فيما اعتبرها المعلمون وسيلة داعمة تعزز التعليم التقليدي وتضيف موارد مبتكرة داخل الصفوف.
التغطية الإعلامية
حظي المشروع بتغطية واسعة من وسائل الإعلام المحلية والدولية، الأمر الذي ساهم في تعزيز حضوره ومنحه مصداقية أكبر لدى الشركاء والجهات الداعمة. فقد نشرت جريدة الغد الأردنية مقالات موسعة عن المبادرة [4]، في حين عرضت قناة تلفزيون عمّان القصة في أحد برامجها. كما سلطت قناة TRT عربي الضوء على التجربة باعتبارها إحدى المبادرات الملهمة في المنطقة. وإلى جانب ذلك، تناولت منصات إعلامية أخرى مثل AJ+، التلفزيون الأردني، قناة المملكة، وكالة رويترز، إضافة إلى منصات محلية مثل بيت حواء وساحات وصندوق الملك عبد الله الثاني، المشروع في تقاريرها المختلفة، مما مكّنه من الوصول إلى جمهور واسع ومتعدد.
دور مركز مدى والرؤية المستقبلية
كان دعم مركز مدى ماليًا وفنيًا وإعلاميًا، مما ساعد على تحسين جودة المنصة وضمان وصولها لشريحة أوسع من الأطفال والأهالي والمعلمين. ولا يقتصر أثر هذا الدعم على المرحلة الحالية فقط، بل يمتد ليعزز الرؤية المستقبلية للمشروع. فـ”تميم وريم” ليست مجرد منصة تعليمية، بل هي حركة تغيير تهدف إلى إعادة رسم مستقبل تعليم الأطفال الصم في المنطقة. ويسعى الفريق في المرحلة المقبلة إلى التوسع إقليميًا ليصل إلى كل طفل أصم في الوطن العربي، مع تطوير مناهج تعليمية ومهارات حياتية متخصصة، وإدماج أدوات الذكاء الاصطناعي لدعم الترجمة الفورية وتخصيص التعلم وفق احتياجات كل طفل، إضافة إلى بناء شراكات استراتيجية مع وزارات التربية والتعليم وقنوات الأطفال العربية.
خاتمة
ما بدأ كقصة عائلية صغيرة بين مأمون، هبة، وتميم وريم، تحول اليوم إلى مشروع عربي رائد يعيد الأمل لملايين الأطفال الصم. “تميم وريم” ليست مجرد منصة تعليمية، بل حلم عربي يقوده رائد أصم ليبرهن أن الإعاقة ليست نهاية، بل بداية لابتكار يغير الواقع ويمنح الأطفال فرصة للتعلم والازدهار
قائمة المراجع
[1] Department of Statistics, “The Reality of Disability ‘Functional Difficulties’ in Jordan, based on the data of The General Population and Housing Census 2015,” Amman, Jordan, 2021. Accessed: Sep. 24, 2025. [Online]. Available: https://dosweb.dos.gov.jo/DataBank/Analytical_Reports/Disability_2021.pdf
[2] “الأردن يشارك العالم الاحتفال باليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة | المجلس الأعلى للسكان.” Accessed: Sep. 24, 2025. [Online]. Available: https://tinyurl.com/58textvy
[3] Shreen Hussein, “Shreen Hussien: Jordanian Deaf Role Model.,” Deaf Unity. Accessed: Sep. 24, 2025. [Online]. Available: https://deafunity.org/article_interview/shreen-hussien-jordanian-deaf-role-model/?utm_source=chatgpt.com
[4] إبراهيم المبيضين, “منصة موجهة لذوي الإعاقة السمعية بمحتوى كرتوني تعليمي.,” الغد. Accessed: Sep. 24, 2025. [Online]. Available: https://tinyurl.com/2wnn2njn
